ابن بسام

106

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

واستباحت حريمها ، واجتاحت حديثها وقديمها ، وأنست ما كان قبلها من جبّ الذّروة ، وانصداع المروة ، وأيأست من البقاء ، وآذنت / بشمول البلاء . فأخبرت عن وزيره أبي المطرف ابن مثنّى أنّه كان يومئذ بمنزلة بين الوجوم والإطراق ، وعلى نهاية الحذر والإشفاق ، إذ وردت رسل المأمون عنه تترى ، وهجمت عليه زمرة بعد أخرى . فدخل عليه فوجده قد استشاط حنقا ، حتّى كاد يتميّز شققا . فظنّ أنّ ذلك الضّجر ، لما كان ورد به الخبر من ضرب الخيل على بلد المظفّر ، وإخفار الذّمم ، وزلّة القدم ، وانهتاك الحرم . فطفق ابن مثنّى يبسطه ويقبضه ، تارة يسلّيه وتارة يحرضه ، وطورا يقول له : فيك الخلف مما فات ، ومرّة يقول : قد آن لك أن تنكر على الطاغية هذا الافتيات . فلمّا فهم منحى ابن مثنّى منه ، أعرض [ 1 ] عنه ، وقال له : ألا ترى هذا الضّالع [ 2 ] الفاعليّ الصّانع - يعني عريف بنيانه - صبرت له وأغضيت ، وفعلت به كيت وكيت ، فما زاد إلّا تنغيصا للذّتي ، واستخفافا بإمرتي ، وتصغيرا لشأني ، واجتراء على سلطاني . وهبّت ريحه العقيم ، تقعد في غير شيء وتقيم ، فسقط في يد ابن مثنّى وانكسر انكسارة تبيّنها ابن ذي النون فيه . ولم يجد بدا من أن قال له : هوّن عليك ، والكلّ طوع يديك ، وناهيك ، وأنا أكفيك ؛ وخرج ومثل بين يدي ذلك الصانع يعده ويمنّيه ، ويداوره [ 3 ] ويداريه ، والصانع مقبل على شأنه ، ما أمره بالجلوس ، ولا زاده على التجهّم [ 4 ] والعبوس ، فبعد لأي ما ضرب له مثل العامّة وهو قولهم : ما أفرس الجالس . ثم قال : / وبالحريّ واللّه أن يتمّ إلى عيد آخر ، فليجهد جهده ، وليأت بكلّ ما عنده . فرجع ابن مثنّى إلى ابن ذي النون وهوّن على الشأن ، وخفّف لديه ما كان . وخرج لا يدري من أيّ الثلاثة يعجب : أمن اغترار [ ابن ] ذي النون وجهله ، أم إفضاء الضرورة بنفسه إلى خدمة مثله ، أم من جرأة ذلك الصانع القصير اليد ، النّزر العدد ، على ذلّ [ ابن ] ذي النون وذلّه . قال ابن بسّام : فتبارك من أحاط بالأشياء ، ولم يخف [ 5 ] عليه شيء في الأرض ولا في السّماء ، ومن جعل اليوم ذلك القصر العجيب بنيانه [ 6 ] ، الهادم - كان - للدّين والدّنيا

--> [ 1 ] ص : وأعرض . [ 2 ] الضالع : الجائر ؛ ص : الصانع . [ 3 ] ص : وبداءيه . [ 4 ] ص : التهجم . [ 5 ] ص : يختلف . [ 6 ] ص : ببنيانه .